ابن قيم الجوزية
37
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقال عبادة بن الصامت « رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام » وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لم يبق من النبوة إلا المبشرات . قيل : وما المبشرات ، يا رسول اللّه ؟ قال : الرؤيا الصالحة ، يراها المؤمن أو ترى له » وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه لما أروا ليلة القدر في العشر الأواخر قال « أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر . فمن كان منكم متحرّيها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان » . والرؤيا كالكشف ، منها رحماني . ومنها نفساني . ومنها شيطاني . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الرؤيا ثلاثة : رؤيا من اللّه ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة . فيراه في المنام » . والذي هو من أسباب الهداية : هو الرؤيا التي من اللّه خاصة . ورؤيا الأنبياء وحي . فإنها معصومة من الشيطان . وهذا باتفاق الأمة ، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام بالرؤيا . وأما رؤيا غيرهم : فتعرض على الوحي الصريح . فإن وافقته وإلا لم يعمل بها . فإن قيل : فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة ، أو تواطأت ؟ . قلنا : متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي ، بل لا تكون إلا مطابقة له ، منبهة عليه ، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه ، لم يعرف الرائي اندراجها فيه ، فيتنبه بالرؤيا على ذلك . ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرّ الصدق وأكل الحلال ، والمحافظة على الأمر والنهي . ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة . ويذكر اللّه حتى تغلبه عيناه . فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة . وأصدق الرؤيا : رؤيا الأسحار . فإنه وقت النزول الإلهي ، واقتراب الرحمة والمغفرة ، وسكون الشياطين . وعكسه رؤيا العتمة ، عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية . وقال عبادة ابن الصامت رضي اللّه عنه « رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام » . وللرؤيا ملك موكل بها ، يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله . فيضربها لكل أحد بحسبه . وقال مالك : « الرؤيا من الوحي وحي » وزجر عن تفسيرها بلا علم . وقال : « أتتلاعب بوحي اللّه ؟ » . ولذكر الرؤيا وأحكامها وتفاصيلها وطرق تأويلها مظانّ مخصوصة بها ، يخرجنا ذكرها عن المقصود . واللّه أعلم . بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين : شفاء القلوب ، وشفاء الأبدان فأما اشتمالها على شفاء القلوب : فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال . فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين : فساد العلم . وفساد القصد . ويترتب عليهما داءان قاتلان ، وهما الضلال والغضب . فالضلال نتيجة فساد العلم . والغضب نتيجة فساد القصد . وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها . فهداية الصراط المستقيم : تتضمن الشفاء من مرض الضلال . ولذلك كان سؤال هذه الهداية : أفرض